الغزالي

134

إحياء علوم الدين

وينبغي للملقن أن لا يلح في التلقين ، ولكن يتلطف ، فربما لا ينطق لسان المريض ، فيشق عليه ذلك ، ويؤدى إلى استثقاله التلقين ، وكراهيته للكلمة ، ويخشى أن يكون ذلك سبب سوء الخاتمة . وإنما معنى هذه الكلمة أن يموت الرجل وليس في قلبه شيء غير الله ، فإذا لم يبق له مطلوب سوى الواحد الحق ، كان قدومه بالموت على محبوبه غاية النعيم في حقه . وإن كان القلب مشغوفا بالدنيا ، ملتفتا إليها ، متأسفا على لذاتها ، وكانت الكلمة على رأس اللسان ، ولم ينطبق القلب على تحقيقها ، وقع الأمر في خطر المشيئة فإن مجرد حركة اللسان قليل الجدوى إلا أن يتفضل الله تعالى بالقبول وأما حسن الظن فهو مستحب في هذا الوقت . وقد ذكرنا ذلك في كتاب الرجاء ، وقد وردت الأخبار بفضل حسن الظن باللَّه [ 1 ] دخل واثلة بن الأسقع على مريض فقال : أخبرني كيف ظنك باللَّه ؟ قال أغرقتنى ذنوب لي ، وأشرفت على هلكة ، ولكني أرجو رحمة ربي . فكبّر واثلة ، وكبّر أهل البيت بتكبيرة ، وقال الله أكبر . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « يقول الله تعالى أنا عند ظنّ عبدي بي فليظنّ بي ما شاء » [ 2 ] ودخل النبي صلى الله عليه وسلم على شاب وهو يموت ، فقال « كيف تجدك » قال أرجو الله وأخاف ذنوبي . فقال النبي صلى الله عليه وسلم « ما اجتمعا في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلَّا أعطاه الله الَّذي يرجو وآمنه من الَّذي يخاف » وقال ثابت البناني : كان شاب به حدّة ، وكان له أم تعظه كثيرا وتقول له . يا بني ، إن لك يوما فاذكر يومك . فلما نزل به أمر الله تعالى أكبت عليه أمه ، وجعلت تقول له يا بني ، قد كنت أحذرك مصرعك هذا وأقول إن لك يوما . فقال يا أمه ، إن لي ربا كثير المعروف ، وإني لأرجو أن لا يعدمنى اليوم بعض معروفه . قال ثابت . فرحمه الله بحسن ظنه بربه . وقال جابر بن وداعة : كان شاب به رهق فاحتضر ، فقالت له أمه يا بني توصي بشيء ؟ قال نعم خاتمي لا تسلبينيه ، فإن فيه ذكر الله تعالى ، فلعل الله يرحمني . فلما دفن رؤي في المنام فقال . أخبروا أمي أن الكلمة قد نفعتني ، وأن الله قد غفر لي